31‏/3‏/2010

حكم المبادلة في الزواج مع إستيفاء شروط النكاح

حكم المبادلة في الزواج مع إستيفاء شروط النكاح

السؤال: ما حكم الشرع في أن يزوج الرجل ابنته إلى ولد الرجل الآخر، والرجل الآخر يزوج ابنته إلى ولد الرجل الأول، وكل واحدة لها صداق، ولو ترك أحد الأزواج زوجته ليس للثانية علاقة بها، ولا تضر بتلك، وهناك زوجتان قد أنجبتا عدة أولاد وبعد مضي خمسة وعشرين عاماً أفتى أحد العلماء بأنه يجب التفريق بين كل من الزوجين وزوجاتهم، فهل هذا صحيح أم خطأ؟



الجواب: يقول العلماء: الفتوى على قدر النص، إذا كان السائل قد حرر الواقعة تحريراً صحيحاً فالجواب أن هذا النكاح صحيح، وذلك لأن من يشير إليه من بعض المشايخ لما حكم بوجوب فسخ هذا النكاح، تصور أن هذا النكاح كان شغاراً، وقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام في غير ما حديث واحد عن الشغار، وقال: (لا شغار في الإسلام) إلا أن العلماء اختلفوا في الشغار في حقيقته ما هو؟ هو في الأصل: تبادل رجل عنده بنت وآخر عنده بنت، فكل واحد يأخذ بنت الثاني، هذا هو أصل الشغار، بعد ذلك يأتي الخيار، وليس بصورة خاصة في البنت؛ واحد عنده أخت والآخر عنده أخت، فكل واحد يأخذ أخت الآخر، هذا من الشغار، لكن تمام الشغار أن يجعل كلٌ منهما مهره الذي يجب عليه هو أخته أو بنته التي يقدمها للآخر، فكأن التبادل بضاعة ومقايضة، وهذا لا يجوز في الإسلام؛ لأن في هذا تعطيل حق البنت الذي هو المهر، ومن هنا يبدأ الخلاف إذاً: من تمام الشغار أن أحد الزوجين يغضب لسبب من زوجته فيطلقها، فتذهب إلى أخيها أو أبيها، فيقوم ذاك بالتالي بدوره ويطلق التي عنده من أخت أو بنت، وهكذا يكون الشغار سبباً لزيادة الفرقة، ووقوع الطلاق بين المتزوجين، هذا هو الشغار المعروف في الجاهلية والذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام أما إذا لم يكن من هذا الشغار سوى مجرد تبادل مع القيام بكل شروط النكاح أنا عندي أختي وأعطيت زيداً من الناس هذه الأخت، وهو بالمقابل أعطاني أخته، لكن كل واحد منا أعطى ما يجب عليه من مهر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: لا يربط طلاق زوجته بالأخرى، كأن تسوء علاقته مع زوجته فتسوء علاقة الأخرى مع زوجها، فإذا كان هذا الزواج مجرد تبادل بدون مراد لتمام الشغار الجاهلي، فقط واحد أخذ قريبة وأعطى بنته أو أخته لقريبٍ له، هذا لا حرج فيه إطلاقاً ما دام أن المهر موجود، وما دام أن الشرط في التطليق في المقابلة أيضاً غير وارد، فإذا كانت الحادثة كما ذكر الرجل على حسب ما فهمت، فهذا النكاح ليس شغاراً ما دام كل واحد دفع المهر، وكل واحد التزم الآداب الشرعية بينه وبين زوجته، لكن أخشى ما نخشى أن يكون في الحادثة شيء من التفاصيل لم يستوعبها السائل، أو ربما استوعبها السائل لكن الشيخ المفتي ما استوعب ذلك، فأفتى بفساد هذا النكاح وبطلانه. ......

29‏/3‏/2010

حقيقة لا إله إلا الله

فضيلة الشيخ صالح الفوزان

فضل كلمة : لا إله إلا الله

n كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان.

n أساس الإسلام والملة.

n أنها لا يساويها شيء في السماء والأرض من المخلوقات .

n أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.


أسماء لا إله إلا الله

n كلمة التقوى।

n العروة الوثقى.

n كلمة الإسلام.

n كلمة التوحيد.

مواضع ذكر لا إله إلا الله

n ذكرت بلفظها في القرآن الكريم في موضعين :

q الأول : ( إنّهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ).

q الثاني : ( فاعلم أنّه لا إله إلا الله ) ।

n مواضع ذكرها بمعناها في القرآن الكريم : القرآن كله يدور على معنى هذه الكلمة ،

q من ذلك قوله تعالى ( فمَنْ يكفرْ بالطاغوت ويُؤمِنْ بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ). فالكفر بالطاغوت هو معنى (لا إله)، والإيمان بالله هو معنى ( إلا الله )

q ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ). البراءة من عبادة الأصنام هو معنى ( لا إله ) ، وعبادة الله وحده هو معنى ( إلا الله ).

q ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) هذه الآية فيها حصر العبادة لله عز وجل ونفيُها عما سواه.

معنى لا إله إلا الله

n معنى لا إله إلا الله : لا معبود بحق إلا الله وليس معناها لا خالق إلا الله.

n وتوضيح ذلك : أن معناها هو نفي العبادة عما سوى الله وإثباتها لله سبحانه وتعالى ، قال عليه السلام ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله وحسابه على الله ) فإذا قلت: لا إله إلا الله فمعنى ذلك : أنك أبطلت عبادة كل ما سوى الله من القبور والأحجار والأشجار والأولياء والصالحين والجن والإنس والأحياء والأموات ، أبطلت عبادتهم كلهم بدون استثناء ، وأثبت العبادة لله وحده لا شريك له . هذا معنى كلامك إذا قلت لا إله إلا الله ، أما إذا قلت لا إله إلا الله ولم تترك عبادة القبور والأضرحة وتدعو الحسين فإن لا إله إلا الله لا تنفعك ؛ لأن المشركين لم يقولوا لا إله إلا الله ؛ لأنها تقتضي منهم ترك عبادة كل ما سوى الله تعالى من الأصنام والأوثان ( ويقولن أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) . وكذلك أن تنطق بها وأنت لا تعرف معناها فإنك لم تحققها ولم تستفد منها كالمنافقين ( يقولن بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) فلم تنفعهم هذه الكلمة.

فشرط لا إله إلا الله

n شرط لا إله إلا الله : معرفة معناها والعمل بمقتضاها।

n الدليل على شرط العلم : قوله تعالى ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ।

n والدليل على شرط العمل : قوله – عليه السلام - ( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).


أدلة معرفة المشركين معنى لا إله إلا الله

n ( إنّهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ).

n معرفة أبي طالب وصناديد قريش معنى لا إله إلا الله ولهذا لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله ، قالوا ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب ) .


معنى خالصاً من قلبه

n معنى خالصاً من قلبه :

q يعني يعتقد معناها بقلبه لا مجرد كلام بلسانه أمام الناس فقط كحالة المنافقين .

n لا تنفع العبادة مع الشرك بل تبطل وتفسد :

q كما قال الله تعالى ( لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين ) وقال جل وعلا ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا ).


ولا يخفى علينا أن :

n الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا من الله.

n الأمور التي يقدر عليها المخلوق يجوز طلبها منه بشرط أن يكون قادراً وحاضراً.

n طلب الوساطة فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك بالله.

( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى ).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لسماع المحاضرة كاملة اضغط هنا

27‏/3‏/2010

الطرق المثلى في التعامل مع الغاضبين ساعة غضبهم

ما هي الطرق التي يتبعها المرء عندما يتعامل مع شخص غاضب ؟ .

الجواب :

الحمد لله

أولاً:

الغضب ليس مذموماً كله ، بل يُحمد الغضب إذا كان غضباً لله تعالى ، كأن تُنتهك محارم الله عز وجل .

والمذموم منه ما كان غضباً لدنيا ، وخاصة إذا ترتب عليه أذى أو ضرر أو شر ، كقتل ، وضرب ، وطلاق ، وشتم ، وقذف .

عن أَبي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا ؟ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ؛ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ .

رواه البخاري ( 670 ) ومسلم ( 466 ) .

وبوَّب عليه البخاري بقوله : " باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله " ، وبوَّب عليه النووي في " رياض الصالحين " بقوله " باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى " .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله - :

والغضب له عدة أسباب منها : أن ينتصر الإنسان لنفسه ؛ يفعل أحد معه ما يغضبه فيغضب لينتصر لنفسه ، وهذا الغضب منهي عنه ؛ لأن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال له أوصني قال : ( لا تغضب ) فردَّد مراراً يقول : أوصني ، وهو يقول : ( لا تغضب ) .

والثاني من أسباب الغضب : الغضب لله عز وجل ، بأن يرى الإنسان شخصاً يَنتهك حرمات الله فيغضب غيرة لدين الله ، وحمية لدين الله ، فإن هذا محمود ويثاب الإنسان عليه ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا من سنَّته ، ولأنه داخل في قوله تعالى : ( وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) ، ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ، فتعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله : أن يجدها الإنسان عظيمة ، وأن يجد امتهانها عظيماً ، فيغضب ، ويثأر لذلك حتى يفعل ما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك .

" شرح رياض الصالحين " ( 3 / 615 ، 616 ) .

وفي جواب السؤال رقم ( 658 ) تجد علاج الغضب الدنيوي ، فليراجع .

ثانياً:

أما التعامل مع الشخص الغاضب : فله عدة اتجاهات وقواعد ، منها :

1. إذا رأيتَ من يغضب الغضب الشرعي ، فيغضب لانتهاك حرمات الله ، ويغضب لفعل الناس الموبقات : فالواجب عليك أن تشاركه في ذلك الغضب ، لله . ثم ينظر فيما يجب عليكم فعله ، بمقتضى ذلك الغضب لله ، وهذا يختلف بحسب الحال ، والمصلحة الشرعية في ذلك . 2. إذا رأيتَ من يغضب لنفسه ، أو لدنيا ، وتعلم منه تعظيمه للدين ، ووقوفه عند حدود الشرع : فذكِّره أثناء غضبه بربه تعالى ، وذكره بوصية النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تغضب ) ، وذكره بفضيلة ملك النفس عند الغضب ، وفضل العفو .

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ - وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : " يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ ؟ " قَالَ : " سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ "، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ .

رواه البخاري ( 4366 ) .

3. إذا رأيتَ من يغضب لنفسه أو لدنياه ، وليس عنده تعظيم للشرع ، لكنه لا يتطاول في غضبه على الشرع ، وإنما يصب غضبه عليك أنت : فخير لك السكوت ، حتى ينتهي من تفريغ شحنات غضبه في الهواء ، فإن أجبته لم تكسب خيراً ، ولم تُصلح حالاً ، بل تزيد الأمر شرّاً وسوءًا – غالباً - .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ ، قَالَ : ( إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ ) ثُمَّ قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ ... ) .

رواه أحمد ( 15 / 390 ) ، وحسَّنه المحققون ، وجوَّد إسناده الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 2232 ) .

وهذه القاعدة يمكن أن نجعلها عامَّة في معاملة كل غاضب ، فنسكت عنه حتى يفرِّغ ما عنده ، ولا نرد عليه ، ولا نحمل في قلوبنا شيئاً عليه بسبب ما قال ، ثم إذا هدأ ذكَّرناه بقبح وسوء ما فعل وقال ، وهذا ما يوصي به الحكماء .

قال ابن الجوزي – رحمه الله - :

الغضبان كالسكران لا يُؤاخذ بما يقول .

متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح : فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصراً – ( أي : لا تعتد بكلامه ) - ، ولا أن تؤاخذه به ؛ فإن حاله حال السكران ، لا يدري ما يجري ، بل اصبر لفورته ، ولا تعول عليها ؛ فإن الشيطان قد غلبه ، والطبع قد هاج ، والعقل قد استتر .

ومتى أخذت في نفسك عليه ، أو أجبته بمقتضى فعله : كنت كعاقل واجه مجنونًا ، أو كمفيق عاتب مغمى عليه ، فالذنب لك .

بل انظر بعين الرحمة ، وتلمح تصريف القدر له ، وتفرج في لعب الطبع به ، واعلم أنه إذا انتبه : ندم على ما جرى ، وعرف لك فضل الصبر .

وأقل الأقسام : أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به .

وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب الوالد ، والزوجة عند غضب الزوج ، فتتركه يشتفي بما يقول ، ولا تعول على ذلك ، فسيعود نادماً معتذراً .

ومتى قوبل على حالته ومقالته : صارت العداوة متمكنة ، وجازى في الإفاقة على ما فُعل في حقه وقت السكر .

وأكثر الناس على غير هذه الطريق : متى رأوا غضبان : قابلوه بما يقول ويعمل ، وهذا على غير مقتضى الحكمة ، بل الحكمة ما ذكرته ، ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) العنكبوت/ 43 .

" صيد الخاطر " ( ص 295 ، 296 ) .

4. إذا كان الغاضب هو الزوج فلتصبر الزوجة على غضبه ، ولا ترد عليه في فورته ، ولتؤجل ترضيته ، فإذا جاء الليل فلتأخذ بيده وتقول له : " لا أنام حتى ترضى " .

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أَلَا أُخبِرُكُم بِنِسَائِكُم فِي الجَنَّةِ ؟ ) قُلنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( وَدُودٌ وَلُودٌ إِذَا غَضِبَت أَو أُسِيءَ إِلَيهَا أَو غَضِبَ زَوجُهَا قَالَت : هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ ، لَا أَكتَحِلُ بِغِمضٍ حَتَّى تَرضَى ) .

رواه الطبراني في " المعجم الأوسط " ( 2 / 206 ) ، وحسَّنه الألباني في " السلسلة الصحيحة ( 3380 ) ، ورواه النسائي في " الكبرى " ( 5 / 361 ) من حديث ابن عباس بلفظ ( والله لاَ أَذُوقُ غُمْضاً حَتَّى تًَرْضَى ) .

قال المناوي - رحمه الله - :

( لا أذوق غُمضا ) بالضم أي : لا أذوق نوماً .

فمن اتصفت بهذه الأوصاف منهن فهي خليقة بكونها من أهل الجنة ، وقلما نرى فيهن مَن هذه صفاتها ، فالمرأة الصالحة كالغراب الأعصم .

" فيض القدير" ( 3 / 106 ) .

5. إذا كان الغاضب هو الأب على ابنه ، أو المدير على موظفه ، أو الجار على جاره ، أو صديق على صديقه : فالأنسب هنا :

أ. أن نُبعد الطرف الآخر أن يراه ذلك الغاضب ؛ لأن سورة الغضب تشتعل وتتأجج بوجوده ، فإذا ما أبعدناه عنه : خفَّ الغضب ، وزال بسرعة .

ب. مجاراته في توعده بعقوبته ، أو تهديده بقتله ، أو ما يشبه ذلك من العقوبات ، فيُجارى ، ولا يُنفَّذ له طلب .

قال ابن القيم – رحمه الله - :

ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بامور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعاً لحرارة الغضب ، وأنهم لا يريدون مقتضاها ، فلا يمتثله خواصهم ، بل يؤخرونه ، فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم .

وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه ، فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك ، كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة .

" إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان " ( ص 47 ) .

ونسأل الله أن يحفظ جوارحنا ، وأن يقينا شرور أنفسنا .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

العريفي موقف طريف جدا